سميح عاطف الزين
170
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
اليتم غربة عن الوالدين ، وفي وحدة الصحراء غربة عن الناس ، فاجتمعت على محمد غربتان عاتيتان قد تهدّان الرجل الجلد القوي ، فكيف إذا أصابتا صبيا في السادسة من عمره . ويقع الخبر على عبد المطلب كالصاعقة ، فيعصر قلبه حتى لتكاد روحه أن تفارقه لولا أنّ حفيده بين ذراعيه . . ولكن إذا كان قدر آمنة أن تموت ، وتخلّف محمدا يتيما من أبويه ، فإن جده لن يتوانى أبدا عن عمل كل ما من شأنه أن يطوي صفحة اليتم من حياته ، فيجعله في كنفه ، ليكون له ابنا حبيبا ، ويحوطه برعايته ، فلا يجعل لقهر اليتم عليه سبيلا . بل وأحاط كل من في البيت محمدا بالحب والحنان ، فكانت ربة البيت ، السيدة هالة ، زوجة عبد المطلب خير راعية له بعطفها وحنانها . إنها فضلا عن أصالة محتدها وما جبلت عليه من إنسانية ، كانت قريبة أمه آمنة ، فهي ابنة عمها ، وقد حزنت على فراقها حزنا شديدا ، فأخذت على نفسها أن تكون بمثابة تلك الأم الراحلة لوليدها محمد . ولذلك قامت على تربيته خير قيام ، تعطيه من نفسها ومن حبها ما تعطي أبناءها تماما ، بل وربما كانت الأرجحية له في كثير من الأمور ، تنفيذا لأوامر الشيخ المهيب عبد المطلب ، الذي كان يحرص على أن يعامل حفيده معاملة مميزة حتى عن أبنائه . وهكذا عاش محمد في بيت صالح تغلب عليه أواصر الحب والألفة ، ودوافع الإيثار والتضحية ، فلم يشعر بمرارة فقد الوالدين ، ولا بقهر اليتم . . ولو لم يكن حب أهل هذا البيت الكريم متوفرا له ، لكان